الشيخ محمد رشيد رضا

21

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شاعرين بذنبهم ، خائفين من ربهم ، فكان كل من قعودهم ونصحهم مقترنا بالآخر ، كالذي يدخل أرضا مغصوبة فيصلح فيها ، ويعترف بأنه مذنب بدخولها ، ويأتي بالاصلاح لتكفير ذنب الاعتداء . وهذا المعنى لا يؤديه قولك : خلط العمل الصالح بالسيء ، كما تقول خلط القمح بالشعير أو الماء باللبن ، لان هذا الضرب من الخلط يصير فيه المخلوط والمخلوط به شيئا واحدا أو كالشئ الواحد فلا يقول صاحبه عندي ماء فرات ولا لبن محض وأما الضرب الأول المراد من الآية فقد بقي فيه كل من النوعين ممتازا بنفسه ، وإنما خلطه مع الآخر عبارة عن الجمع بينهما ، وعدم انفراد أحدهما دون الآخر ، والواو العاطفة هي التي تؤدي هذا المعنى من الجمع ، وهو من دقائق بلاغة القرآن بالعدول عن التعدية بالباء إلى العطف عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي هم محل الرجاء لقبول اللّه توبتهم ، التي يشير إلى وقوعها اعترافهم بذنوبهم ، وقد تقدم ( في ص 210 ج 10 ) ان كلمة « عَسَى » وضعت للتقريب والأطماع ثم استعملت في الرجاء كامل ، وقول بعضهم انها من اللّه للايجاب غير صحيح ، أو لتوفيقهم للتوبة الصحيحة التي هي سبب المغفرة والرحمة وانما تتحقق التوبة بالعلم الصحيح بقبح الذنب وسوء عاقبته ، وألم الوجدان من تصور سخط اللّه والخوف من عقابه ، والاقلاع عن الذنب أو الذنوب بباعث هذا الألم الذي هو ثمرة ذلك العلم ، والعزم على عدم العود إلى اقترافها ، ثم العمل بضدها ، ليمحى من النفس أثرها ، والروايات صريحة بأن اعتراف من ذكر بذنوبهم قد استتبع كل هذا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل لرجاء قبول توبتهم ، إذ معناه انه كثير المغفرة للتائبين واسع الرحمة للمحسنين ، كما قال ( 20 : 82 وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) وكما قال ( 7 : 56 إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) وكما قص علينا من خبر استغفار الملائكة للمؤمنين قولهم ( 40 : 7 رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ إلى قوله - ( 8 وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ ، وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ) قال بعض العلماء ان هذه الآية أرحى آية في القرآن وقال آخرون أرجى الآيات قوله تعالى ( 39 : 53 قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ